سيد محمد طنطاوي

150

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم عن بيوعهم فقال اليهود : ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا ، لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه ، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم . وقال الكلبي : قالت اليهود : « الأموال كلها كانت لنا ، فما في أيدي العرب منها فهو لنا ، وأنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم » « 1 » . وقوله - تعالى - * ( ويَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * رد عليهم فيما قالوه من أنهم ليس عليهم في الأميين سبيل ، وتكذيب لهم فيما زعموه ، لأن قولهم هذا ما أنزل اللَّه به من سلطان ، ولا يؤيده عقل سليم ، إذ المبادئ الخلقية الفاضلة يجب أن تطبق على جميع الناس بدون تفرقة بينهم . والمعنى : أن هؤلاء اليهود الذين يجحدون الأمانات متذرعين بقولهم * ( لَيْسَ عَلَيْنا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) * ، يفترون على اللَّه الكذب في قولهم هذا ، وهم يعلمون أنه كاذبون ، لأنهم ليس عندهم في كتبهم نص يبيح لهم استحلال أموال العرب وخيانتهم ، وإنما الذي تأمرهم به كتبهم هو أداء الأمانة لمستحقيها بالمعروف . وقوله * ( وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * جملة حالية من الضمير في * ( يَقُولُونَ ) * ومفعول العلم محذوف اقتصارا ، أي وهم من ذوى العلم . أو اختصارا ، أي يعلمون كذبهم وافتراءهم . ولقد بين النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في أحاديث متعددة أن الأمانة يجب أن تؤدى إلى البار والفاجر ، ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قال : لما نزلت : * ( ومِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْه ) * الآية . قال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « كذب أعداء اللَّه ! ! ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البار والفاجر » « 2 » . ولقد سار أتباع النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على مبدأ أداء الأمانة ، وعدم أخذ شيء من أموال الغير إلا بوجه مشروع . قال ابن كثير : « قال عبد الرازق : أنبأنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي صعصعة بن يزيد . أن رجلا سأل ابن عباس : إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة : الدجاجة والشاة . قال ابن عباس : فتقولون ما ذا ؟ قال نقول : ليس علينا بذلك بأس . قال ابن عباس : هذا كما قال أهل الكتاب * ( لَيْسَ عَلَيْنا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) * إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم » « 3 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 2 ص 502 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 318 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 374 .